محمد بن وليد الطرطوشي
432
سراج الملوك
إليكم نقل عنكم ، وإياكم والتزويج في البيوتات السوء ، واستكثروا من الصديق ما استطعتم ، واستقلّوا من العدو ما استطعتم ، فإن استكثاره ممكن . وقال بعض الحكماء : احذروا أعداء العقول ، ولصوص المودّات - وهم السعاة والنمّامون - إذا سرق اللصوص المتاع سرقوا المودّات . وقال حكيم العرب : إيّاك والسّعاة فإنهم أعداء عقلك ، ولصوص عدلك ، فيفرّقون بين قولك وفعلك . وفي المثل السائر : من أطاع الواشي ضيّع الصديق ، وقد يقطع الشجر فينبت ، ويقطع اللحم بالسيف فيندمل « 1 » ، واللسان لا يندمل جرحه . وأحق الناس برعاية ما رسمته من هذه الخلال ، ونقلته من هذه الحكم ، واستودعته من هذه السير ، من آتاه اللّه سلطانا ومكّن له في الأرض قدما ، فذو القدرة إذا أطاع الواشي هلك العالم . وكان بعض الحكماء يقول : من أراد أن يسلم من الإثم ، ويبقى له الإخوان ، فيجعل نفسه بينه وبينهم قاضيا عدلا ، ويحكم بالعدل ، ولا يقبل أحدا في أحد ، ولا في نفسه ، إلا بشهود وتعديل ، فإنّا قد أحببنا بقول أقوام ، وأبغضنا بقول آخرين ، فأصبحنا نادمين . ومن لطيف حكمة اللّه تعالى في النميمة ، لما علم من شؤمها ، واستطارة شرورها ، وعموم مضرّتها في الورى ، حكم بفسق النمّام حتى لا يقبل له قول ، فيستريح الخلق من شرّه . وقال ابن عمر : وفد اللّه الحاجّ ، ووفد الشيطان قوم يرسلهم السلطان إلى الناس ، ويسألهم عن حالهم ، فيخبرونه أن الناس راضون وليسوا براضين . واعلموا أن اللّه تعالى خلق الإنسان على أنحاء شتى ، لسنا نذكرها الآن لكثرتها وطول تتبّعها ، فخلق اللّه الحواسّ الشّريفة ، والأعضاء النّافعة النفيسة ، فمن أفضل ما ركّب فيه اللّسان ، الذي هو آلة النّطق والبيان ، وبه فصل بينه وبين البهائم ، ثم فضّله على سائر الحيوان ، وامتنّ عليه في أوّل سورة الرحمن ، فقال تعالى : الرَّحْمنُ . عَلَّمَ الْقُرْآنَ . خَلَقَ الْإِنْسانَ . عَلَّمَهُ
--> ( 1 ) اندمل الجرح : تماثل وتراجع إلى البرء .